لماذا يبتلي الله المؤمنين
p لماذا يبتلي الله المؤمنين i

إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادى له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لاشريك له وأشهد أن محمداً عبده ورسوله ]يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ[،]يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيرًا وَنِسَاء وَاتَّقُواْ اللّهَ الَّذِي تَسَاءلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا[َ] يأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَن يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا[أما بعد :
فإن أصدق الحديث كتاب الله ، وخير الهدى هدي محمد( r) ، وشر الأمور محدثاتها وكل محدثة بدعة ، وكل بدعة ضلالة ، وكل ضلالة في النار.
أيها الأحبة في الله:
سؤال طالما تردد كثيراً على الألسنة قديماًوحديثا،سؤال قد يصيب المؤمن بالحيرة والاضطراب ويدخل في نفسه الشك،لاسيما في هذه الأيام الصعبة والواقع المريرلحال الأمة،فكثيراً مانسمع من يسأل ويقول:لماذا الابتلاء؟ لماذا يبتلي الله المؤمنين؟ لماذا يبتلي الله امة الإسلام دون سائر الأمم؟ وربما يقول قائل لماذا إذا أمنت بالله تعالى والتزمت بدين الله واستقمت على الطاعات فان الله يحدث لي من المحن والفتن والابتلاء مالا يحدث للكافر أو الظالم والفاسق؟هل لأنني أمنت بالله تعالى يكافئني بالابتلاء؟ هذه التساؤلات سنحاول بتوفيق الله في هذه العجالة الإجابة عليها؛
يقول الله تعالى ] ألم* أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ* وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ[العنكبوت(1-3).
أحسب استفهام إنكاري أريد به التقريع والتوبيخ لسوء فهم الناس لحقيقة الإيمان،لمن فهمه بأنه مجرد قول غير قابل للاختبار والتمحيص،فهذه النفوس التي أعلنت الإيمان باللسان لابد من اختبارها لتطهير الصف الإسلامي،ليثبت صاحب الإيمان الحقيقي،وليخرج غير مأسوف عليه ضعيف الإيمان،صاحب المصلحة والمنفعة قال تعالى]ومن الناس من يعبد الله على حرف فان أصابه خير اطمأن به وان أصابته فتنة انقلب على وجهه خسر الدنيا والآخرة ذلك هو الخسران المبين[ الحج(11).
فلابد لاهل الايمان قبل مرحلة التمكين في الأرض من التمحيص ليتبين من يستحق نصر الله تعالى والتمكين ولايكون ذلك إلا بالتميز بين الخبيث والطيب]ما كان الله ليذر المؤمنين على ماأنتم عليه حتى يميز الخبيث من الطيب[،وقال تعالى]وليمحص الله الذين أمنوا ويمحق الكافرين أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يعلم الله الذين جاهدوا منكم ويعلم الصابرين[ آل عمران(141-142)،ولهذا قال الإمام الشافعي(رحمه الله):p لايُمّكن للمؤمن حتى يبتلىi.وهذه سنة قدرية من سنن الله في خلقه فلابد من الفتن في حياة المؤمن،وصور هذه الفتن كثيرة ومتنوعة وأهمها:
`ما يتعرض إليه المؤمن من الأذى والظلم والاضطهاد من الباطل وأهله ثم لا يجد النصير الذي يسانده ويدفع عنه الأذى ، ولا يملك لنفسه النصرة أو المنعة ولا يجد القوة التى يواجه بها الطغيان ، وهذه هى أبرز الصور التى تقفز للأذهان إذا ما ذكرت الفتن التى يتعرض لها أهلُ الإيمان وبالرغم من ذلك فإن هناك من الفتن التى يتعرض لها أهل الإيمان ما هو أمر وأدهى من ذلك!!
` فتنه الأهل والأولاد والأحباء الذين يخشى أن يصيبهم الأذى بسببه ؟ وقد يهتفون به ويتوسلون إليه ، وينادونه باسم الحب والقرابة أن يسالم أو يستسلم في الوقت الذي لا يملك عنهم دفعاً وهذه من أشد الفتن .وقد تزداد الفتنة إذا وقع بهم الأذى والابتلاء أمام عينه وبين يديه وهو لا يستطيع أن يدفع عنهم أذى أو يرد عنهم سوء.ومن المؤلم ما عرض على شاشات الفضائيات منظر هذا العراقي النجيب من وراء قضبان الظلم والجور وهو يروي قصة اعتقاله وان الظالمين عندما اعتقلوه قتلوا أبنائه أمام عينه وانتهكوا حرمة أهله وحطموا منزله،ولاحول ولا قوة إلا بالله.
` وهناك فتنة أخرى خطيرة،تؤثر في نفوس المؤمنين إنها فتنة إقبال الدنيا على المبطلين والعاصين والمذنبين والظالمين ورؤية الناس لهم ناجحين مرموقين تهتف لهم الدنيا وتصفق لهم الجماهير، وتتحطم في طريقهم العواتق، وتذلل لهم الصعاب، وتفتح لهم الأبواب وتهيئ لهم الأسباب. تصاغ لهم الأمجاد ، وتصفو لهم الحياة والمؤمن مُهملٌ منكر لا يحس به أحدٌ ، ولا يدافع عنه أحد، ولا يشعر بقيمة الحق الذي معه إلا القليلون من أمثاله الذين لا يملكون من أمر الحياة شيئاً. وهذا هو الاستدراج للظالمين من الله تعالى]سنستدرجهم من حيث لايعلمون[ روى الإمام احمد قوله عليه الصلاة والسلام((إذا رأيت الله عزوجل يعطي العبد من الدنيا على معاصيه ما يحب فاعلم انه استدراج من الله ثم تلا قوله تعالى]فلما نسوا ما ذكروا به فتحنا عليهم أبواب كل شئ حتى إذا فرحوا بما أتوا أخذناهم بغتة فإذا هم مبلسون فقطع دابر القوم الذين ظلموا والحمد لله رب العالمين[الانعام(44)،وقال تعالى]ولايحسبن الذين كفروا أنما نملي لهم خير لأنفسهم إنما نملي لهم ليزدادوا اثماً ولهم عذاب مهين[آل عمران(178)، وقال تعالى]ولولا أن يكون الناس امة واحدة لجعلنا لمن يكفر بالرحمن لبيوتهم سقفا من فضة ومعارج عليها يظهرون ولبيوتهم أبوابا وسررا عليها يتكئون وزخرفا وان كل ذلك لما متاع الحياة الدنيا والآخرة عند ربك للمتقين[الزخرف(32-35)،فهؤلاء قوم عجل الله لهم طيباتهم في الحياة الدنيا ويريد الله أن لايجعل لهم حظا في الآخرة،فالله تعالى يعطي الدنيا لمن يحب ولمن لايحب ولايعطي الآخرة إلا لمن يحب .ولهذا نجد أمماً ودولاً غارقة في الرذيلة والمعصية وبالرغم من ذلك فإنها راقية في مجتمعها متحضرة في حياتها ، ويجد الفرد فيها من الرعاية والحماية ما يليق به كإنسان!!!
` وهناك فتنة الغربة في هذا الدين .متى يظهر المؤمن فيرى معظم ما حوله ومَنْ حوله غارقاً في تيار الضلالة والشهوات والشبهات والبدع ، وهو وحده غريب طريدٌ شريد.وهذا مصداق قوله عليه الصلاة والسلام الذي رواه الإمام مسلم واحمد عن أبي هريرة(t)(بدأ الإسلام غريبا وسيعود غريبا،فطوبى للغرباء))وفي لفظ من الغرباء يارسول الله(r)،فقال((هم الذين إذا فسد الناس صلحوا)) وفي لفظ((هم الذين يصلحون ما افسد الناس)) وفي لفظ((هم قوم صالحون قليل في قوم سوء كثير)).
` وهناك الفتنة الكبرى فتنه هوى النفس والشهوة، وجاذبية الأرض والطين ، وصعوبة الاستقامة على صراط الله المستقيم والتمسك بالطاعات،فقد روى الترمذي انه عليه الصلاة والسلام قال(يأتي زمان على الناس القابض فيه على دينه كالقابض على جمرة من النار)).
` وهناك فتنة المرض والفقر وفتنن كثيرة غيرها تعصف بحياة المؤمنين.
كل هذه الفتن . فإذا طال الأمد وأبطأ نصر الله ، كانت الفتنة أشد وأقصى ، وكان الابتلاء أشد وأعنف ، ولن يثبت إلا من عصمه الله عز وجل .
فما هى الحكمة من كل هذه الفتن والابتلاءات التى يبتلى الله بها المؤمنين؟*! في الوقت الذي يستثنى فيه الظالمون والفاسقون.
حاشا لله : أن يعذب المؤمنين بالابتلاء وأن يؤذيهم بالفتن كلا ولكن الإعداد الحقيقى لتحمل الأمانة الكبرى والمسئولية العظمى والعقيدة العليا لأنها في حاجة إلى إعداد خاص لا يتم إلا بالمعاناة ، وإلا بالاستعلاء الحقيقى على الشهوات، وإلا بالصبر الحقيقى على الآلام ، وإلا بالثقة الحقيقية في نصر الله أو ثوابه على الرغم من طول الفتنة وشدة الإبتلاء. فكما تفتن النار الذهب لتفصل بينه وبين العناصر الرخيصة العالقة به ، كذلك تصنع الفتن بالنفوس تصهرها فتنفى عنها الخبث.وحسب المؤمنين الذين تصيبهم الفتنة ، ويقع عليهم البلاء حسبهم أن يكونوا هم المختارين من الله ليكونوا أمناء على حق الله وعلى دين الله عز وجل.
قال ابن قيم الجوزية (رحمه الله) في زاد المعاد:
إن الله سبحانه وتعالى اقتضت حكمته أنه لا بد أن يمتحن النفوس.ويبتليها ، فيظهر بالامتحان طيبها من خبيثها ، ومن يصلح لموالاته وكرامته ومن لا يصلح ، وليمحص النفوس التى تصلح له ويخلصها بكير الامتحان كالذهب الذي لا يخلص ولا يصفو من غشه إلا بالامتحان ، إذ النفس في الأصل جاهلة ظالمة ، وقد حصل لها بالجهل والظلم من الخبث ما يحتاج خروجه إلى السبك والتصفية ، فإن خرج في هذا الدار وإلا ففي كير جهنم ، فإذا هذب العبد وصفي أُذن له في دخول الجنة .وليس أحد أغير على الحق وأهله من الله .. ولكنها سنة الله الجارية لامتحان القلوب وتمحيص الصفوف. ] وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ[
فما الذي لا قاه نوح عليه السلام ؟، وما الذي لاقاه إبراهيم؟، وما الذي لاقاه موسى ؟ ، وما الذي لاقاه عيسى؟. وما الذي لاقاه محمد ( r )؟ وهم أطهر الناس وأشرف الناس، واصطفاهم الله عز وجل واختارهم وأحبهم إلى الله وأقربهم إلى الله هو حبيبه ومصطفاة محمد ( r ) فلقد ورد في صحيح البخاري أن النبي ( r) قام يوماً يصلى في حجر الكعبة فأقبل عليه عقبة بن أبى معيط فوضع ثوبه في عنق النبى فخنقه خنقاً شديداً فأقبل أبو بكر حتى أخذ بمنكبه ودفعه عن النبي ( r )وهو يقول أتقتلون رجلاً أن يقول ربى الله .وورد في البخاري أيضاً أن هذا الفاجر عقبة بن أبى معيط جاء يوماً على رسول الله( r) بسلى جزور فقذفه على ظهر النبي ( r) وهو ساجد فلم يرفع رسول الله ( r) رأسه حتى جاءت فاطمة( رضي الله عنها )فرفعته عن ظهر المصطفى( r )فرفع رأسه ثم قال (( اللهم عليك بقريش ثلاث مرات))، وتعلمون ما الذى حدث له بالطائف فضلاً عن وصفهم له بالسحر والجنون واتهموه في شرفه وعرضه . هاهو ذا رسول الله ( r) وهو في الذروة من بنى هاشم ، هاهو ذا يرمى في بيته وفي من؟! في عائشة التى أحبها من قلبه ، هاهو ذا يُرمى في طهارة فراشه وهو الطاهر الذي تفيض منه الطهارة. وهاهو ذا يرمى في صيانة حرمته وهو القائم على صيانة الحرامات في أمته. إنها أشد فتنة على الإطلاق تعرض لها رسول الله ( r) وهو الحبيب عند ربه جل وعلا ، بل أظنها أضخم المعارك التى خاضها رسول الله ( r ) إنها الفتن والابتلاءات ولقد ورد أيضاً في صحيح البخاري عن خباب بن الأرت( رضى الله عنه) قال: أتيت النبى ( r) وهو متوسد بردة في ظل الكعبة وقد لقينا من المشركين شدة فقلت : يا رسول الله ألا تدعوا الله لنا ، ألا تستنصر لنا ، فقعد وهو مُحمرٌ وجهه فقال: ((لقد كان من قبلكن ليمشط بأمشاط من الحديد ما دون عظمه من لحم أو عصب ما يصرفه ذلك عن دينه ، وليتمنَّ الله هذا الأمر حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضر موت لا يخاف إلا الله )).
وإذا كانت هذه الاعتداءات على النبى ( r )وله من الجلال والوقار في نفوس العامة والخاصة فكيف بالصحابة الكرام، لاسيما الضعفاء منهم فأنتم تعلمون ما الذي كان يُفعل ببلال و خباب وآل ياسر وصهيب وابن مسعود وغيرهم ممن قالوا : لا إله إلا الله . فضربوا لنا أروع الأمثلة في الصبر على البلاء والتضحية لهذا الدين حتى ولو كانت بالأرواح والأبدان. فلقد كان الدين عندهم أغلى من أي شئ حتى من أرواحهم وأولادهم وأزواجهم وأموالهم .ولذلك أيدهم الله بنصره كما نصر المؤمنين من قبلهم وينصر الموحدين من بعدهم.. وتكون العاقبة على من عاداهم وانظر كيف كان عاقبة المجرمين.. !!
ثمار وفوائد الابتلاء:
1- معرفة حقيقة الناس ومصداقيتهم
أن الله عز وجل جعل الابتلاء سنة؛ ليعلم الصادق من الكاذب، وليعلم المؤمن من امنافق، ولو كان الأمر ل9رخاء والسهولة واليسر؛ لادعى كل مدعٍ أنه صادق، ولكن ليظهر الله الصادقين أهل الصلوات الخمس؛ ولا يخزيهم أبداً.
والنبي عليه الصلاة والسلام وهو في غار حراء يوم نـزل عليه الوحي، خاف لمارأى عظم الملك، فذهب إلى خديجة رضي الله عنها ترتعد فرائصه، ووجِلَ قلبه وخاف وقال( (خفت على نفسي، قالت: كلا والله لا يخزيك الله أبداً؛ إنك لتصل الرحم، وتُقرئالضيف، وتُكسب المعدوم، وتعين على نوائب الحق )) أتظن أن الله يخزي أهل الصلواتالخمس؛ أهل القرآن؛ وأهل السنة ؛ وأهل الأذكار؛ والصيام؛ وقيام الليل، والصدق معالله؟! لا والله. إنما يجعل الله الرجس على الذين لا يؤمنون، إنما يخزي أعداءهومحاربي دينه الذين لا يعرفون الصلاة، ولا القرآن، ولا المسجد، ولا السنة، ولاالصدق مع الله، ولا يعرفون موعود الله، ولا يقدمون دقيقة من أوقاتهم، ولا يعرفونإلاَّ الكأس والعهر، والفحش والخيانة، وانتهاك حرمات الله، يقول أبو بكر الصديق رضيالله عنه وأرضاه: (صنائع المعروف تقي مصارع السوء )فمن فعل معروفاً وقاه اللهسبحانه منازل الخاسرين:] وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَاوَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ [(العنكبوت:69) وقال سبحانه]:وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَوَنَبْلُوَا أَخْبَارَكُمْ[ (محمد:31)
2-: تمحيص الصف الإسلامي من المنافقين
ومن دروس الابتلاءأيضاً: تمحيص الصف الإسلامي، ليعرف الله من الذي يحب أن يُوصم الأخيار بالوصماتوالتهم. إن هذا الدين مستهدف بأساليب الله أعلم بها، حينها يعرف سُبحَانَهُ وَتَعَالَى من الذين يحبون أن تشيع الفاحشة في الذين آمنوا، قال سبحانه:] إِنَّالَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْعَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لاتَعْلَمُونَ[ [النور:19] والله يعلم من الذي يسر بإخفاق الصالحين، إن المنافق يضحكبملء فيه يوم يمرغ الإسلام في التراب؛ حينها ينتصر الباطل ويخطب الدجال كما قالالذهبي قال: "إذا علقت الشائعة وانتشرت وصُدقت؛ حينها يخطب الدجال من على المنبر،وتتعطل المساجد، وتكذب الدعوة الصادقة، ويخرج المناوئون الحقراء الذين لا يتكلمونإلا في الظلام، وليس معنا شيء، ما معنا إلا رسالة محمد (r)
يقول أحد علماء الإسلام: "الإسلام والدعاة يمرضون ولايموتون"]إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لحافظون[ (الحجر9).
3-: تكفير الخطايا والذنوب وان قل:
المسألة الثالثة: من أسرار الابتلاء التي ينـزلهاسُبحَانَهُ وَتَعَالَى في الأرض: تمحيص الخطايا والذنوب التي تعلق بالأخيار، والتيلا يسلم منها الأبرار، فيحتها سُبحَانَهُ وَتَعَالَى حتاً، فنسأله سبحانه أن نكونممن إذا أذنب استغفر وإذا أُنعم عليه شكر، وإذا اُبتلي صبر، إن منازل الصادقين ثلاثمنازل، إذا ابتلي العبد صبر، وقال: إنا لله وإنا إليه راجعون، قالوا لـعثمان : ادخلعلى الرسول عليه الصلاة والسلام يبشرك بالجنة على بلوى تصيبك، قال: الله المستعان! وما هي البلوى؟ ضرج في التراب وذبح في بيته على المصحف. لما أدخل شيخ الإسلام ابن تيمية السجن -رحم اللهابن تيمية ، ورفع الله قدره على ما فعل وبذل من دمعه ودمه، وعروقهوسمعته، وعلمه ووقته- أدخله السجان وأغلق عليه الباب، فقال ابن تيمية :] فَضُرِبَبَيْنَهُمْ بِسُورٍ لَهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِنْقِبَلِهِالْعَذَابُ[ [الحديد:13] يقول له أحباؤه: ماذا أصابك؟ فدمعت عيناه وقال: الابتلاء تمحيص، قال عليه الصلاة والسلام((ونقني من الذنوب والخطايا كما ينقى الثوب الأبيض من الدنس )) الابتلاء غسل للقلبوللمنهج، وغسل للطريق من القاذورات التي تعلق به، إما شهرة وإما سمعة وإما رياء لايسلم منها العبد، يقول عليه الصلاة والسلام في الصحيح: ((عجباً لأمر المسلم إن أمرهكله خير وليس ذلك إلا للمؤمن، إن أصابته نعماء شكر فكان خيراً له، وإن أصابته ضراءصبر فكان خيراً له، وليس ذلك إلا للمؤمن)).وفي الصحيحين((ما يصيب المسلم من نصب ولا وصب ولاهم ولا حزن ولا أذى ولا غم حتى الشوكة يشاكها إلا كفر الله بها منخطاياه)).
4- دليل قوة الايمان ورسوخ العقيدة:
فقد روى الإمام الترمذي وابن ماجة واحمد وصححه الألباني عن سعد بن أبي وقاص(t) انه سأل رسول الله(r)أي الناس اشد بلاءً؟فقال(r)(اشد الناس بلاءً الأنبياء،ثم الصالحون،ثم الأمثل فالأمثل،يبتلى العبد على قدر دينه،فان كان في دينه صلبة-قوة-زيد عليه البلاء،وان كان في دينه رقة خفف عنه البلاء، ولايزال البلاء في العبد حتى يتركه يمشي على الأرض وما عليه خطيئة))
5- الابتلاء علامة لمحبة الله للعبد:
فقد روى الترمذي عن انس(t) وحسنه الألباني قوله (r)(إن عظم الجزاء مع عظم البلاء،وان الله تعالى إذا أحب قوما ابتلاهم،فمن رضي فله الرضى،ومن سخط فله السخط))
6- إرادة الخير للمؤمن:
وفي صحيح البخاري قوله(r)(من يرد الله به خيرا يصب منه))، وفي سنن الترمذي قوله(r)(إذا أراد الله بعبده الخير عجل له العقوبة في الدنيا،وإذا أراد بعبده الشرأمسك عنه بذنبه حتى يوفيه به يوم القيامة))، ـ فلا يظن مما سبق، أن المرض مطلب منشود، لا وكلا، فإنه لا ينبغي للمؤمن أن يتمنى البلاء، ولا أن يسأل الله أن ينزل به المرض؛ فلقد قال رسول الله( ): ((سلوا الله العفو والعافية، فإن أحدا لم يعط بعد اليقين خيرا من العافية))رواه النسائي وابن ماجه.وقال مطرف: (لأن أُعافى فأَشكر أحب إلي من أن أُبتلى فأَصبر).
7- الرجوع والإنابة الى الله:
قال تعالى]أولا يرون أنهم يفتنون في كل عام مرة أو مرتين ثم لايتوبون ولاهم يذّكرون[التوبة126. وقال تعالى]وبلوناهم بالحسنات والسيئات لعلهم يرجعون[الأعراف(168)،وقال تعالى]ونبلوكم بالشر والخير فتنة والينا ترجعون[الأنبياء(35).
8- إظهار التوحيد في الابتلاءومن فوائد الابتلاءالعظيمة: صدق التوحيد وألا يعتمد إلا على الله، ويعرف من جرب أن لا إله إلا الله لاتظهر حارةً صادقةً قويةً إلا يوم يبتلى العبد، فيقول: لا إله إلا الله من قلبه.
9- معرفة مخططات ومكائد أعداء الإسلامومن دروس الابتلاء: أن نعرف أعداء الإسلام،ومخططات اليهود والصليبين وما يكيدون للأمة من مكائد ومؤامرات وخطط شيطانية،كما حدث في ابتلاء اهل فلسطين والعراق وأفغانستان وغيرهم وفضح مخططات الاحتلال الأمريكي والصهيوني في المنطقة فأصبح درسا للأمة والعالم]: وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْر الماكرينُ(الأنفال:30.
وخلاصة القولإن الابتلاء سنة عامة من سنن الله القدرية والكونية لايستثنى منها احد، فقد ابتلى الله الأنبياء وهم صفوة الخلق حتى قال فيهم(r)(ولأحدهم كان أشدَّ فرحاَ بالبلاءِ من أحدكم بالعطاء)) رواه البيهقي وابويعلى والحاكم وصححه الألباني.فابتلاء الأنبياء رفع للدرجات وتفاضل في المقامات ]تلك الرسل فضلنا بعضهم على بعض منهم من كلم الله ورفع بعضهم درجات[البقرة(253).وأما ابتلاء المؤمنين فتمحيص للذنوب وتكفير للسيئات]وليبلي المؤمنين منه بلاءاً حسنا ان الله سميع عليم[الأنفال(17).وأما ابتلاء الكافرين فعقوبة لهم في الدنيا قبل الآخرة نقمة عليهم مع ما لهم من العذاب يوم القيامة.فنسأل الله تعالى أن نكون قد وفقنا في الإجابة على السؤال،ونسأله تعالى أن يجنبنا الفتن ما ظهر منها وما بطن ونسأله العفو والعافية في الدنيا والآخرة.


منقول للفائدة


والدال على الخير كفاعله